محمد جواد مغنية

193

في ظلال نهج البلاغة

عليكم العمل ، وعليه سبحانه الرزق ، ومن الجهل والحماقة أن يطالب المرء بما هو له ، ، ولا يؤدي ما عليه . . وهنا يكمن السر في ذل العرب وهوانهم . . يطالبون إسرائيل بالانسحاب من أرضهم ، ثم يغفلون ما عليهم من واجب الجهاد . . ( مع أنه واللَّه لقد اعترض الشك ودخل اليقين ) . أقسم الإمام ( ع ) ان حال أصحابه أو الكثير منهم تماما كحال من لا يثق باللَّه ولا يؤمن بعدله ، وانه تعالى مع من صدق وجاهد ولم يستسلم للهوان والمذلة . ( حتى كأن الذي ضمن لكم إلخ ) . . أي بلغ منكم الشك وعدم الثقة باللَّه حدا ، أصبحتم معه تعتقدون بأن الرزق في يد غيره من أرباب الجاه والسلطان ، لا في يده تعالى وأمره ( وكأن الذي قد فرض عليكم ) وهو العمل مع التوكل على اللَّه والثقة به ، والايمان بأن مقاليد الأمور كلها بيده ( قد وضع عنكم ) ولا ريب في أن الشك وعدم الثقة قرين الشرك والإلحاد . . وقال البعض في شرح هذا الكلام : « إن الجد في طلب الرزق يستند إلى ضعف التوكل على اللَّه » . وهو اشتباه لأن التوكل مفتاح العمل وبذل الجهد إلى أقصاه مع التفويض إلى مشيئة اللَّه ، وقد تواتر عن الرسول الأعظم ( ص ) : اعقل وتوكل . وقال الإمام : الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر . وقال : ( فبادروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل ) . ولم يقل : بادروا إلى الاتكال فإنه كاف ومغن عن الكد والجد ، وصدق اللَّه العظيم : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِه ) * - 15 الملك « : * ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله ) * - 10 الجمعة » . ( فإنه لا يرجى من رجعة إلخ ) . . إذا فات الرزق يمكن تعويضه بالجد والعمل ، أما الأعمار فهي مقدّرة ، والماضي منها ميئوس منه . وهذا يؤيد ما قلناه في تفسير ما تقدم ولا داعي للتأويل كما فعل بعض الشارحين ( واتقوا اللَّه ) في جميع أعمالكم ، واطلبوا منه وحده النجاح والتوفيق ، ولا تغتروا بذكائكم ومقدرتكم فإنكم وما تفعلون في يد اللَّه وقبضته .